رأيتُ اكتئابي عجوزاً له بسمة طيّبة
أليفاً كمن يسكنون الشوارعَ من دون مأوى
ينامُ على باب داري
يصبّحني بابتسامته حين أخرُجُ
أو أدخلُ البيت
ضيفي هو الشيخ
ولكنني وأنا صاحبُ البيت في يده كالأسير
ملاكٌ مَكير
يسيرُ بعكّازتين وإنْ كان يبدو الجناحان في ظهره
كنتُ أسأله ما الذي يمنع المرء مثلك يا سيدي أن يطير؟
فتأتي إجابته نظرةً مُتعَبة
مقيمٌ على مدخل البيتِ ضيفي الكبير
أقول له ما اسمُكَ اليومَ يا صاحبي؟
فيوبّخني قائلاً: لا أريدُكَ أن تتفهّمني
فقط اقسمْ رغيفكَ بيني وبينك
كنْ صاحباً طيّب القلب واجلسْ إلى جانبي
فأرقّ له رَغم علمي بأنّ هلاكيَ أن أصحبهْ
وضيفي قعيدٌ كبيتٍ من الشعر منكسر الوزن والنحو
ليس له أيّ معنىً
ويغضبُ حين أحاولُ أن أعربهْ
أقولُ عسى أن يقومَ ويرحلَ عني
فأزعجه بعلاجي العدائيّ عمداً
وأسئلتي الجارحاتِ وأمعنُ جداً
فيفهم قصدي ويشبه جَدّي
ويزدادُ مني اقتراباً وودّاً
إذا ما رآني أحاولُ أن أغضبهْ
ويشبهني الشيخ حين أحدّقُ في وجهه
وكأني أحدّقُ في نهر دمع ومرآة نبع
وأفرَدُ عن كلّ جمع وأحْجَبُ عن كلّ سمع
أرى حسبُ وجهي يشيخُ رويداً رويداً
إلى أن أضيّعَ أيّ من الجالسيْن الكسير
وفي الاكتئاب -وإنْ كان دوماً يثيرُ التعاطفَ-
شيءٌ من النرجسيّة
لأنّ الحزين يرى نفسه أوّلاً
وإنّ الهمومَ نساءٌ تغارُ
فتحجبُ صاحبَها عن همومِ سواهُ
همومُكَ مثلُ الغواني
تريدُكَ كلّكَ
إن شاركتهنّ فيكَ همومُ سواكَ
تحرّرتَ من أسرهنّ
يشتّتن عينيك مثلَ البغايا
ويبنين حولكَ سجناً وجدرانه من مرايا
ويُمعِنّ: حدّقْ بوجهكَ يا نرجسَ الحُسْن والحُزن
حدّقْ هنا واستكنْ وافتتنْ بجمال الضحيّة
ونرجسُ في ضفة النهر يجلسُ
لا تحسبوهُ وحيداً ففي الماء نرجسُ أيضاً
ولا تحسبوا بطلَ القصّة الولدَ المتكبّر يعجبُه شكلُه
إنما بطلُ القصة الولدُ الغارقُ
المُشتهي أن يعودَ إلى نفسه ولداً يتنفسُ
نرجسُ نرجسُ
آن لراوي الملاحم أن يعرفَ الحقّ من عكسه
إنّ نرجسَ في النهر لا فوقه
إنّ نرجسَ طفلٌ غريقٌ
وقد خلق الله من زنده طوقهُ
لا تحدّقْ بصورة وهمٍ على شاطىء النهر واسبحْ
فليس سواك هنا
فانسه يا ابن أمي ولا تطمئنّ إلى أنسه
لا تصدّقْ مراياكَ حين تُريكَ تجاعيدَ وجهِكَ
تلك تجاعيدُها هي لا أنتَ يا صاحبي
لا تصدّقْ همومك حين تغارُ عليكَ وتنصحْ
تقولُ لكَ اعتزل الناسَ حتى تصحّ
تنحّ عن الدرب
إنّ الهزيمة قد رابطتْ عند بابكَ فاسمحْ لها أن تمرّ لتسمحْ
فقلْ عندها للهزيمةِ لن أتنحّى لتمضي
ولن تجدي خجلاً بي لأُغضي
وكسّرْ مراياكَ
قلْ للعجوز على الباب أهلاً وسهلاً
تعال اشرب الشاي وامضِ إلى حيث شئتَ
فلا شأن لي بعدُ إنْ عشتَ أو مُتّ
يا جدّي الحزن قمْ
هاك موسى الحلاقة
خذ هذه سترةٌ وقميصٌ جديدٌ
وسِرْ
واسمُكَ الحزنُ وافرحْ
ولا تخجل الآن من هبة الله واجمحْ
قضى الله بالخلل العبقريّ الذي يجعلُ المرءَ
منكسراً حين يكمُلُ
مكتملاً حين يُكسَرُ
مستقتلاً حين يُجرَحْ
ليفترقِ النرجسان على النهر
هذا الأصيلُ وذاك الشبحْ
ويا جدّي الحزن
إنكّ طفلٌ على شيبة الرأس
لا تعرف المشي إلاّ قليلاً
فقمْ وامشِ في الناس جهراً
لتشفى من العرَج العرضيّ
ومن شيبكَ المَرَضِيّ
وإن سألوك عن اسمكَ قلْ:
لا اسم لي اليوم
لكنني من صباح غدٍ سأسمّى الفرح

http://www.facebook.com/nouhibou.alhayeta

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog